تاريخ عريق.. ومستقبل مشرق
في قلب مدينة جدة النابض بالحياة، المدينة التي شكّلت عبر تاريخها الطويل بوابة المملكة العربية السعودية على العالم ومركزاً للتجارة والحركة، بدأت في عام 1959م قصة ريادة سعودية استثنائية نسج خيوطها الأخوان صالح وسعيد أبناء عمر باريان. في ذلك الزمن الجميل، زمن الأبيض والأسود، كانت التجارة تُبنى على الثقة والسمعة الحسنة قبل كل شيء، وكانت المصداقية هي رأس المال الحقيقي الذي يفتح الأبواب ويصنع العلاقات. وسط هذه البيئة، اتخذ الأخوان قراراً جريئاً ومغامرة محسوبة بتأسيس أول وكالة للدراجات النارية اليابانية سوزوكي في المملكة العربية السعودية، واضعين بذلك حجر الأساس لاسم تجاري سيصبح لاحقاً علامة موثوقة في سوق الدراجات وخدماتها.
لم يكن الطريق مفروشاً بالورود؛ ففي تلك الحقبة كانت الأسواق العالمية والمحلية تميل بثقة شبه مطلقة إلى المنتجات الأوروبية والأمريكية بوصفها معياراً للجودة والمتانة، بينما كانت الصناعة اليابانية لا تزال في مراحل إثبات الذات وتواجه تشكيكاً في كفاءتها. هنا تتجلى عبقرية الأخوين باريان وبعد نظرهما الاستراتيجي؛ فقد قررا الرهان على المستقبل واستيراد دراجات سوزوكي اليابانية حين كانت مجهولة لدى كثير من المستهلكين. لم يعتمد النجاح على الاستيراد وحده، بل على عمل متواصل لبناء قناعة السوق: شرح التفاصيل، الاستماع للملاحظات، توفير الدعم الفني، وإثبات الجودة على أرض الواقع. وبصبر لا ينفد ومثابرة تفتت الصخر، عملا ليل نهار لإقناع المستهلك السعودي بكفاءة هذه الدراجات وقدرتها العالية على التحمل، مواكبين في الوقت ذاته بدايات النهضة الاقتصادية والنمو المتسارع الذي شهدته المملكة، لتصبح الدراجات خياراً عملياً لمن يبحث عن الاعتمادية وسهولة الصيانة وتوفر قطع الغيار.
ومع مرور الأعوام، ترسخت أقدام الشركة في السوق السعودي، وتحولت من خطوة ريادية جريئة إلى مؤسسة راسخة تمتلك خبرة عميقة في احتياجات العملاء وتحديات التشغيل. وفي عام 1979م شهدت سوزوكي باريان نقلة نوعية كبرى، حيث تولى الشيخ عمر صالح باريان، نجل الشيخ صالح، دفة القيادة وإدارة الشركة. حمل الشيخ عمر الأمانة برؤية عصرية متجددة تجمع بين أصالة الإرث العائلي وفكر إداري حديث قائم على التطوير والاستدامة. انطلقت مرحلة جديدة من التوسع المدروس، حيث تم افتتاح فروع لتغطي المدن الرئيسية، وتطوير آليات التشغيل، ورفع كفاءة فرق العمل، بما يضمن جودة الخدمة وثبات المعايير في كل فرع. كان الهدف واضحاً: تقديم تجربة موثوقة ومتكاملة، لا تقتصر على البيع، بل تمتد إلى خدمة العميل على المدى الطويل.
ولأن العلاقة مع العميل لا تنتهي عند إتمام عملية الشراء، أولت الشركة اهتماماً بالغاً بخدمات ما بعد البيع، فتم تعزيز منظومة توفير قطع الغيار الأصلية، وتطوير خدمات الصيانة الدورية والإصلاح، وبناء مراكز خدمة مؤهلة تلبي احتياجات الأفراد والجهات على حد سواء. ومع تسارع التحول الرقمي عالمياً ومحلياً، واكبت سوزوكي باريان هذا التغيير بامتياز، فأطلقت متجرها الإلكتروني المتطور ووسّعت قنوات التواصل والخدمة عبر تطبيقات الهواتف الذكية، لتسهيل الوصول إلى المنتجات والخدمات، وتسريع الاستجابة، وتحسين تجربة العميل. وفي الوقت ذاته، حافظت على حضورها الفيزيائي القوي في المدن الكبرى، إدراكاً لأهمية الجمع بين الخدمة الرقمية السريعة والتواجد الميداني الذي يضمن الثقة والاعتمادية.
اليوم، وبعد أكثر من 60 عاماً من النجاح المتواصل وتحقيق الاستدامة، يقف صرح سوزوكي باريان شامخاً كشاهد على الإتقان الإداري وبناء الثقة عبر الأجيال. إن السر الحقيقي خلف هذا الصمود والنجاح يكمن في ميثاق الشرف الذي تبنته الشركة منذ يومها الأول: الوضوح التام، الصدق في التعامل، والأمانة المطلقة. كما تبنت الشركة استراتيجية ذكية تقوم على الربح المعقول مع زيادة المبيعات، وهي معادلة صعبة لا يتقنها إلا الكبار، لأنها تتطلب ثقة السوق وجودة الخدمة وثبات التجربة. بفضل هذه القيم، أصبحت سوزوكي باريان اسماً يحظى بولاء العملاء في المملكة العربية السعودية، ومثالاً على أن الريادة لا تُبنى بلحظة، بل تُصنع بالتراكم، والانضباط، والالتزام بما يليق بثقة الناس.